المقريزي

74

المقفى الكبير

لا تغتّر بنشاط الأحداث في الأعمال ، فإنّهم سريعو التغيّر والانقلاب . من رأى نفسه أهلا للعطاء فقد استحقّ الحرمان . العبد مأمور بالأدب في كلّ حال لأنّ الصفة لا تفارق موصوفها ، وقد قال تعالى في حقّ المتمكّن المكين المحبوب الأمين : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] . وقال : سألني الشيخ أبو زيد عن شيء من أحوالي فأخبرته ببعض مراء « 1 » كنت أراها في ذلك . فقال لي : يا محمّد ، زهد صبيّ وعبادة امرأة ، وهذه المرائي الثلاثة ما يجيء منها شيء . ( قال ) : فكانت تأديبا لي ، لأنّي قصصت رؤيا وأنا صبيّ ، فجعلتها وصيّة انتفعت بها . [ من مناقب شيوخه في الطريقة ] وقال : سمعت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن طريق يقول : لمّا حضرت الشيخ أبا الحسن بن غالب الوفاة قال لأصحابه : اجتمعوا وهلّلوا سبعين ألف مرّة واجعلوا ثوابها لي ، فإنّه بلغني أنّها فداء كلّ مؤمن من النار . ( قال ) : فعملناها واجتمعنا عليها وجعلنا ثوابها له . قال : وسمعت الشيخ أبا زيد القرطبيّ يقول : سمعت في بعض الآثار أنّ من قال : لا إله إلّا اللّه سبعين ألف مرّة كانت فداءه من النار . فعملت على ذلك رجاء بركة الوعد ، فعملت منها لأهلي ، وعملت أعمالا ادّخرتها لنفسي . وكان إذ ذاك يبيت معنا شابّ يقال إنّه يكاشف في بعض الأوقات بالجنّة والنار . وكانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنّة ، وكان في قلبي منه شيء . فاتّفق أن استدعا [ نا ] بعض الإخوان إلى منزله ، فنحن نتناول الطعام والشابّ معنا إذ صاح صيحة منكرة واجتمع في نفسه ، وهو يقول : يا عمّ ، هذه أمّي في النار ! - وهو يصيح بصياح عظيم لا يشكّ من سمعه أنّه عن أمر . فلمّا رأيت ما به من الانزعاج قلت في نفسي : اليوم أجرّب صدقه ! - فألهمني اللّه السبعين الألف ولم يطّلع أحد على ذلك إلّا اللّه ، فقلت في نفسي : الأثر حقّ ، والذين رووه لنا صادقون . اللّهمّ إنّ السبعين الألف [ 58 أ ] فداء أمّ هذا الشابّ - فما استتممت الخاطر في نفسي إلى أن قال : يا عمّ ، ها هي أخرجت ! الحمد للّه ، الحمد للّه ! ( قال ) : فخلصت لي فائدتان : إيماني بصدق الأثر ، وسلامتي من الشابّ وعلمي بصدقه . [ من أقواله أيضا ] وقال أبو عبد اللّه القرشيّ : من تفقّه أعماله زكت أحواله ، وعلى قدر المحاسبة تصفو الأحوال . وقال : المتخلّق يشكر على المنع كما يشكر على الإعطاء . وقال لبعض أصحابه ، وقد تزوّج : صلّ بحضرة امرأتك لتتشبّه بك . وقال : إسقاط الأدب اتّكالا على أكيد المودّة من نقص الحرمة وسخافة العقل . وقال : إنّ اللّه قد جعل للأوقات الفاضلة مزيدا في القلوب ، والأعمال يشهدها أهل اليقظة من العمّال ، ومن أخلاق أهل الفتوّة إسناد الأملاك لمالكها ، ورؤية أيديهم ظروفا للإعطاء . وقال : إذا فتح اللّه على العبد باب الدعاء تيسّرت له الإجابة . لن يفارق الوليّ التواضع وحسن الخلق . سمة الوليّ الحياء والسخاء ، واحتمال الأذى ، والرحمة للخلق ، والقيام بالحقّ .

--> ( 1 ) مرابي في المخطوط .